ابن كثير

69

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وهذا الميزان ، قال : وذكر لنا أن نبي اللّه عليه الصلاة والسلام كان يقول « لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة اللّه ، إلا أبدله اللّه به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 36 ] وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول : لا تقل . وقال العوفي : لا ترم أحدا بما ليس لك به علم . وقال محمد ابن الحنفية : يعني شهادة الزور . وقال قتادة : لا تقل رأيت ولم تر ، وسمعت ولم تسمع ، وعلمت ولم تعلم ، فإن اللّه تعالى سائلك عن ذلك كله « 1 » ، ومضمون ما ذكروه أن اللّه تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال ، كما قال تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [ الحجرات : 12 ] وفي الحديث « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » « 2 » . وفي سنن أبي داود « بئس مطية الرجل زعموا » « 3 » وفي الحديث الآخر « إن أفرى الفري أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا » « 4 » . وفي الصحيح « من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل » « 5 » . وقوله : كُلُّ أُولئِكَ أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة ، وتسأل عنه عما عمل فيها ، ويصح استعمال أولئك مكان تلك ، كما قال الشاعر : [ الكامل ] ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 6 » [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 37 إلى 38 ] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 )

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 80 . ( 2 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 45 ، والوصايا باب 8 ، والفرائض باب 2 ، والأدب باب 57 ، ومسلم في البر حديث 28 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 72 ، وأحمد في المسند 4 / 119 ، 5 / 401 . ( 4 ) أخرجه البخاري في التعبير باب 45 ، وأحمد في المسند 2 / 96 ، 119 . ( 5 ) أخرجه البخاري في التعبير باب 45 ، وأبو داود في الأدب باب 88 ، والترمذي في الرؤيا باب 8 ، وابن ماجة في الرؤيا باب 8 ، وأحمد في المسند 1 / 216 ، 246 ، 359 ، 2 / 504 . ( 6 ) البيت لجرير في ديوانه ص 990 ، وفيه « الأقوام » بدل « الأيام » ، وتخليص الشواهد ص 123 ، وخزانة الأدب 5 / 430 ، وشرح التصريح 1 / 128 ، وشرح شواهد الشافية ص 167 ، وشرح المفصل 9 / 129 ، ولسان العرب ( أولى ) ، والمقاصد النحوية 1 / 408 ، وتفسير الطبري 8 / 81 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 134 ، وشرح الأشموني 1 / 63 ، وشرح ابن عقيل ص 72 ، والمقتضب 1 / 185 .